محمد متولي الشعراوي

10723

تفسير الشعراوي

تهديداً ووعيداً ، الحق تبارك وتعالى حين يُضخّم الوعيد إنما يريد الرحمة بخَلْقه ، وهو مُحِبٌّ لهم ، فيهددهم الآن ليَسلموا غداً ، ويُنبِّههم ليعودوا إليه ، فينالوا جزاءه ورحمته . وكأنه تبارك وتعالى يريد من وراء هذا التهديد أن يُوزِّع رحمته لا جبروته ، كما تقسو على ولدك ليذاكر وتهدده ليجتهد . إذن : فالوعد بالخير خير ، والوعيد بالشر أيضاً خير ، فكل ما يأتيك من ربك ، فاعلم أنه خير لك ، حتى وإنْ كان تهديداً ووعيداً . وهكذا قدمتْ لنا سورة الشعراء نموذجاً من تسلية الحق تبارك وتعالى لنبيه محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ والتخفيف عنه ما يلاقي من حزن وألم على حال قومه وعدم إيمانهم ، وعرضَتْ عليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ موكب الرسل ، وكيف أن الله أيَّدهم ونصرهم وهزم أعداءهم ودحرهم . ثم سلاَّه ربه بأنْ رَدَّ على الكفار في افتراءاتهم ، وأبطل حججهم ، وأبان زَيْف قضاياهم ، ثم تختم هذه التسلية ببيان أن للظالمين عاقبة سيئة تنتظرهم وأبهم هذه العاقبة { أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ } [ الشعراء : 227 ] ليضخمها . والشيء إذا حُدِّد إنما يأتي على لَوْن واحد ، وإنْ أُبهِم كان أبلغ ؛ لأن النفس تذهب في تصوُّره كل مذْهب ، كما لو تأخّر مسافر عن موعد عودته فنجلس ننتظره في قلق تسرّح بنا الظنون في سبب تأخره ، وفي احتمالات ما يمكن أنْ يحدث ، وتتوارد على خواطرنا الأوهام ، وكل وهم يَرِد في نفسك بألم ولذعة ، في حين أن الواقع شيء واحد .